الشيخ محمد الخضري بك

33

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

شفيتني مما أردت . فتزوّد وحمل قربة له فيها ماء ، حتى قدم مكة فأتى المسجد ، فالتمس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يعرفه ، وكره أن يسأل عنه لما يعرفه من كراهة قريش لكل من يخاطب رسول اللّه ؛ حتى إذا أدركه الليل راه عليّ فعرف أنه غريب فأضافه عنده ، ولم يسأل أحد منهما صاحبه عن شيء ( على قاعدة الضيافة عند العرب لا يسأل الضيف عن سبب قدومه إلّا بعد ثلاث ) فلمّا أصبح احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظلّ ذلك اليوم ولا يراه الرسول حتى أمسى ، فعاد إلى مضجعه ، فمر به عليّ فقال : أما ان للرجل أن يعرف منزله الذي أضيف به بالأمس ؟ فأقامه ، فذهب معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء ، حتى إذا كان اليوم الثالث عاد عليّ مثل ذلك ، ثم قال له علي ألا تحدّثني ما الذي أقدمك ؟ قال : إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت ، ففعل فأخبره ، قال : فإنه حق وهو رسول اللّه ، فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء « 1 » ، فإن مضيت فاتّبعني حتى تدخل مدخلي ففعل . فانطلق يتبع أثره حتى دخل على النبي ، ودخل معه ، فسمع من قوله ، وأسلم مكانه ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري ، قال : والذي نفسي بيده لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم « 2 » . فخرج حتى أتى المسجد ، فنادى بأعلى صوته أشهد ألاإله إلّا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فقام القوم فضربوه حتى أضجعوه « 3 » ، وأتى العباس فأكبّ عليه وقال : ويلكم أولستم تعلمون أنه من غفار ؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليه ! فأنقذه منهم ، ثم عاد من الغد لمثلها ، فضربوه وثاروا إليه ، فأكبّ العباس عليه ( رواه البخاري ) « 4 » . كان رضي اللّه عنه من أصدق الناس قولا وأزهداهم في الدنيا . ومن السابقين : سعيد بن زيد العدوي القرشي « 5 » وزوجه فاطمة بنت الخطاب

--> ( 1 ) أي وقفت بجوار الحائط كأني أبول . ( 2 ) أي لأجهرنّ بكلمة التوحيد في مجمعهم . ( 3 ) أي ألقوه في الأرض . ( 4 ) رواه أيضا مسلم . ( 5 ) هو من المهاجرين الأولين ، وإسلامه قبل عمر بن الخطاب ، وكان إسلام عمر عنده في بيته ، ولم يشهد بدرا لأنه كان غائبا بالشام ، قدم منها عقب غزوة بدر ، فضرب له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسهمه وأجرّه ، وشهد اليرموك وحصار دمشق ، وكان مجاب الدعوة ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، توفي بأرضه بالعقيق ، ودفن بالمدينة في أيام معاوية سنة خمس وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة .